ترى منظمة جواب العالمية ( للفكر والثقافة الإنسانية ) فيما تطرحه في كتاب الإنسان قيمة وقيم ” ان الدخول الى ما بعد الحداثة في معالجاتها ( فيه تقارب مع الانظمة المتأخرة عن ركب الحداثة في مراجعاتها ) فما بين المعالجة والمراجعة تكمن المقارنة والمقاربة “بما يحقق التواصل المعرفي والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية ؟

وجهة نظر مقاصدية
تعتبر الحداثة بمركباتها الثقافية و منطلقاتها العلمية المحرك الرئيس للحياة المعاصرة بإنتاجها المعرفي ( أدبيا وماديا ) و للحداثة ما بعدها باتقاد ما قد يرتد عليها من سلبيات جذرية أو تفصيلية .
كما أن الديمقراطية ( كنظام ) يضع معايير إنسانية و أخلاقية تربط العلاقة بين الحاكم و المحكوم ..” تعد جزء من الحداثة الكلية ( بمكوناتها العلمية و مركباتها الثقافية )
ومن المعلوم أن الديمقراطية تقوم على مكونات رئيسة ..” تعبر عن علومها الحديثة القائمة على مبدأ ( الحقوق الأساسية للفرد ) كمنطلق أساس لمركباتها الثقافية و مكوناتها التطبيقية الشاملة :
كالليبرالية : التي تعبر عن معايير حقوقية تعد التعددية الثقافية جزء رئيس ومرتكز أساس لمكونها القائم على حق الاختيار بإرادة كاملة وحرية ضامنة .
و العلمانية : التي يختزلها البعض في فصل الدين عن الدولة ( ولنا في ذلك تفصيل مقوم لمعناها المعرفي ؟ )
والبرلمانية : نظام إداري يساهم في نقل السلطة و توزيع الثروة بشكل سلمي .

الجوهري ..
هل يمكن للأنظمة التقليدية القائمة على أساس ( ديني ) أن تتحول إلى النظام الديمقراطي ..” دون أن تصطدم بشيء من مكوناتها الأساسية بشكل جذري ؟؟

جواب ..
إنه وفي ظل ما بعد الحداثة ( القائم على انتقاد ما قد يرتد على أي من مكوناتها الأساسية أو نتائجها التفصيلية ) نقول أن الليبرالية و العلمانية تدان من المكونات الرئيسة للديمقراطية القابلة للنقد البناء ( بمعالجة سلبياتها أو إضافة ما يعزز من دورها ) كغيرها من العلوم و المعارف الأخرى ..
وبناء عليه وكمرحلة متقدمة لما تفرزه النتائج العملية لتقويم بعض العلوم الأساسية للديمقراطية ومنها الليبرالية و العلمانية ..” فإن ما تطرحه منظمة جواب العالمية للفكر و الثقافة الإنسانية من تقويم لبعض العلوم من خلال إعادة صياغة تعريفها بما يعالج سلبياتها ويحقق أهدافها الرئيسة الباعثة لها ..
فالحرية تعد المقوم الأساس لليبرالية ( و التعددية الثقافية ) ولكي يتم معالجة ما قد يتبادر إلى الأذهان عن الحرية ( سواء بقصد التشويه المتعمد أو الفهم الخاطئ ) فقد وضعت المنظمة تعريف شامل لمعناها :
تعريف الحرية
الحرية فيما لا يتعدى ضرره على الغير ولا يفضي إلى إهلاك النفس أو أي من مكوناتها الرئيسة ولا يتعدى على اصل من أصول الفطرة الإنسانية . ومن شروطها اللياقة في الحديث و الاحترام في المعاملة .
وبالنظر إلى ما تواجهه الليبرالية و العلمانية من إشكاليات كبيرة ..” خاصة في العالم الإسلامي بشكل عام و العربي بشكل خاص ( كون العلمانية في تعريفها المجتزئ لدى البعض ( فصل الدين عن الدولة ) بالإضافة إلى من يرى أن الليبرالية تجلب الفساد الأخلاقي في العلاقات الإنسانية ) حسب الفهم المجتزئ لتعريفها ..” وما قد يثيره هذا المعنى من شكوك حول حقيقة مبعثها و منشئ مكونها . و ما يلاحظ من تناقضات في الآونة الأخيرة بين الواقع و التطبيق لليبرالية و العلمانية في العالم الغربي ( معقل اكتشافها ) .
و من منطلق المقاربة و المقارنة و المعالجة ..” نجد أن هناك إشكال محتدم ..” بين ما هو معلوم با بعاده المعرفية و بين ما هو ممارس على أرض الواقع العملي ( كنظرة تطبيقية لها دلالاتها العلمية ..” سواء من المنقول أو المكتسب ) فإنه لابد من وضع تعريفات شاملة لمعناها و محددة لمقتضاها ..” كي لا تتعرض العلوم الحديثة في جوانبها الايجابية , إلى رفض لجهل متلقيها أو لعدم شمولية المعنى لأساسياتها العملية ( فيقع الكثير في مشاكل لا حصر لها , ولا يجدون لها حلول تفي بمتطلبات الحياة من واقع متغيراتها و ضروريات معيشتها)
ومن ذلك نجد أن تعريف الحرية بشكل شامل لمعناها ..” يمكن له أن يزيل اللبس حول الليبرالية و يقرب بين وجهات النظر بطرح علمي معرفي لا يخرج عن الواقع المعاش أو يكابر بأطروحات لا علاقة لها بالواقع وما تتطلبه الحياة في جميع المجالات العملية و التخصصات العلمية .
فالعقل مركز كرامة الإنسان ..” و إذا أفقد (( عطل )) دوره الرئيس و وظيفته العليا ..” فأصبح مسلوب الإرادة ! ومن سلبت إرادته ( انتفى حق محاسبته عليها ويصبح الموجه مسئول عن نتائجها ؟ ) .
والفكر ..” نتاج معلومات يتلقاها العقل بحراك حر ( فينتج عنها نظرة أو نظريات ) ترسم له صورة معينة للأمور ..” سواء كانت تلك الصورة جزئية أو مكتملة , صائبة أو يشوبها شيء من خلل ما بنيت عليه .
وهنا نجد أن حق الاختيار ( بإرادة كاملة و حرية ضامنة ) هي أساس المعرفة و القناعة الشخصية الباعثة للثقة بالنفس و الإيمان الراسخ ..” بين القول و الفعل .
قال تعالى : لا إكراه في الدين .. الآية
و قال تعالى : إنك لا تهدي من أحببت .. الآية
وقال تعالى : إنما أنت نذير .. الآية
وهناك الكثير من الآيات الكريمات التي تؤكد على احترام قناعة الإنسان و الحوار معه بالحسنى .
أما فيما يتعلق بالعلمانية ..
فإذا نظرنا إلى أسباب نشأتها و مبعث مكونها ( الذي يهدف إلى التوازن بين الجوانب العرقية و المذهبية للمجتمع ) ويجنب القرار الإداري و السياسي تجاذباتهما , ولا يتعارض مع الدين بمقاصده الكلية ( في الحقوق ) و ضرورياته الأساسية ( في المعاملات ) يعد جزء من العلوم و المعارف الإنسانية ( في المنقول ) و مصدر من مصادر التشريع .
و بهذا التقويم ( تكون العلمانية ) من العلوم الحضارية التي تساهم في القضاء على الصراع ( العرقي و المذهبي ) المستحكم على رقاب البشر ..” لكون التعصب العرقي و التشدد المذهبي من اكثر الأمور المثيرة للفتن و الصراعات على مر العصور و الأزمان ( و يبقى البحث و الحوار قائم و مستمر في تفاصيل نتائجها )
وبناء على ما تقدم من بيان معرفي ( شامل لجوانبه و متكامل في معانيه ) وما سبق طرحه من مواضيع مكملة له ومفصلة لبعض قضاياه العلمية و العملية ( أسباب ومسببات – إشكاليات وحلول ) بشكل مترابط و متسلسل .
فإن منظمة جواب العالمية ( للفكر و الثقافة الإنسانية ) تضع الأسس المعرفية التي تمكن الأنظمة التقليدية ..” من التحول إلى للنظام الديمقراطي بشكل سلس وعلى أرضية صلبة ( كي تتمكن من اللحاق بركب الحداثة و التقدم الحضاري ) .
و من يتحجج بمبررات دينية مجتزئة و غير شاملة لمقتضاها في جميع المجالات و من مختلف الزوايا ( فإنه لن يجد مبرر أخلاقي له مراجعه الأدبية و مقتضياته العملية ) لمهاجمة الليبرالية و العلمانية ..” إلا بتقويم أخلاقي و انتقاد علمي يستند إلى طرح معرفي متكامل ( بين المنقول و المكتسب ) .
أما ما نجده من بعض المجموعات المتعصبة لرأيها و المتشددة في فهمها , وهي لا تملك مقوم معرفي متكامل يمكن له أن يقدم برامج عملية وحلول شاملة لجميع شئون الحياة ويفي بمتطلباتها العلمية و العملية في جميع المجالات ( بل انها لا تملك طرح معرفي مكتمل ولو في جزء من أمور الحياة العلمية أو العملية ) ما يعني أن تلك المجموعة المتعصبة بفهمها القاصر ( تتشدد في مسائل مجتزئة و غير مبررة إلا من عجز معرفي و ضعف علمي ) يجعلها غير قادرة على طرح القضايا الهامة و المسائل المحورية بشكل مترابط مع غيرها بالضرورة أو النتيجة ( في جميع المجالات ) فتدخل الجميع في تناقضات لا تملك لها عملي و طرح منطقي قابل للتطبيق العملي و الامتداد المعرفي المنتج ..
فالإنسان بين الحقوق و المعاملات ( قيمة تستمد منها القيم )
فإذا قل الاعتبار للقيمة الإنسانية في ( الحقوق ) ضعفت القيم الأخلاقية في ( المعاملات ) كنتيجة طردية و علاقة متلازمة ..” لا تحيد عن مضمونها و لا تنفك عن مقتضاها ..” فالمعاملة أدب ( إذا أنتقص ) قلت القيمة و اختلت القيم ..” وهنا تكون الحرية أدب و الأدب حرية محصلها الوعي الثقافي ( وكل ما ارتقى مستوى الوعي ارتفع معه سقف الحرية ) و العكس بالنتيجة صحيح ..
ومن هذا المنطلق فإن ما تطرحه المنظمة من نظريات علمية جامعة و مفاهيم أدبية متكاملة جامعة للعلوم و المعارف الإنسانية ببعدها العلمي و العملي على المستوى الثقافي و الاجتماعي و الاقتصادي ( الشاملة للمناهج التربوية و البرامج التنموية ) المستمدة من عمق تعريف نظرية الفطرة الإنسانية بامتدادها المعرفي ( الذي يؤكد على حقيقة التكامل العلمي بين أهمية الموروث وفاعلية الحديث ) و ما يمكن أن يحدثه من توازن طبيعي بين البعد الروحي ( عاطفيا ) و الجانب الجسدي ( ماديا ) بتفاعل العقل الواعي كمركز للإرادة و الإدارة ..
· نظرية الفطرة الإنسانية :

تعريف : بين الروح والعقل والجسد علاقة وجدانية وتفاعل غريزي , تدور في فلكها التوجيهات الربانية لتنمية الفطرة الإنسانية التي ولد عليها .
والتي تعتبر من النظريات الجامعة للعلوم و المعارف الإنسانية و ما يمتد منها من نظريات علمية متخصصة ومفاهيم أدبية فاعلة , يأتي على رأسها و في مقدمتها :
· نظرية العطاء المتبادل :
تعريف : العطاء المتبادل أساس العلاقة المطلقة بين الإنسان وغيره .
والتي من شأنها أن تضع أساس معرفي يمكن له أن يساهم في تنظيم المسئوليات الاجتماعية و الالتزامات الأدبية في العلاقات الإنسانية ( كإطار أخلاقي من شأنه أن يساهم في سن التشريعات النظامية للمسئوليات الاجتماعية و العلاقات الإنسانية ) بالتزاماتها الأدبية و واجباتها النظامية للفرد و المجتمع .
· نظرية الاستثمار الهادف :

تعريف : الاستثمار الهادف بمكاسبه الاقتصادية و انعكاساته التنموية .
والذي من شأنه أن يعالج كثير من المعادلات المستعصية في الأعمال التجارية من الناحية الأخلاقية . بالإضافة إلى تعزيز فرص الارتقاء بمستوى الشمولية في التخطيط و التكامل في الأداء , الذي يضع البعد الإنساني و الاجتماعي في صميم معادلاته وأعماله التنموية ( بين القطاعات الرسمية ) من جهة و بين ( القطاع العام و الخاص ) من جهة أخرى , كعلاقة تكاملية ومسئولية مشتركة لبناء الفرد و خدمة المجتمع .
ويتفرع من هذه النظريات الأساسية ثلاث مفاهيم أدبية شاملة للبعد الإنساني على المستوى الثقافي و الاجتماعي و الاقتصادي , و التي يمكن لها أن تساهم في معالجة كثير من إشكاليات الحداثة لتمهد لما بعدها ..” ويتجلى من بينها وعلى رأسها المفاهيم التالية :
· الثقافة المتصالحة ..” التي تكفل الحقوق الأساسية للفرد و تساهم في غرس القيم الأخلاقية ( في الحقوق و المعاملات ) المحفزة على العمل و العطاء الذي يؤكد على لغة الحوار ( كمبدأ للاحترام المتبادل و تقبل الآخر , والذي من شأنه أن يقضي على دواعي التوتر و الصراع العرقي و الديني الممهدة للتكامل المعرفي و التمايز الحضاري ) .
· التكامل المعرفي ..” بين الحديث و الموروث ( الذي يعد في حقيقته تنوع ثقافي يؤدي بالنتيجة إلى حقيقة علمية واحدة يمكن لها أن تكتشف خلل في فهم الموروث أو حقيقة نتيجة الحديث ) الذي يضع إطار معرفي للثقافة المتصالحة و التمايز الحضاري بين الشعوب و الأمم .
· التمايز الحضاري ..” الذي يعزز من الحضور الثقافي و يساهم في الحفاظ على الهوية المحلية و يحفزها على الإنتاج المعرفي ( أدبيا وماديا ) كمحصل للثقافة المتصالحة و التكامل المعرفي .
وبالتمعن في هذه المفاهيم الرئيسة ( نجد أن ) مفهوم الثقافة المتصالحة يساهم في تعزيز الحوار و التفاهم بين مختلف التوجهات الفكرية و الطوائف العرقية . و مفهوم التمايز الحضاري يعالج تحديات الهوية الثقافية المحلية ( وذلك لما يمنحها من مساحة كافية لحضورها بما تتمايز به من إنتاج معرفي ( أدبيا و ماديا ) بشكل يكفل بقائها و استمرارها ..” كأحد أهم المكاسب المعرفية لمفهوم ( التمايز الحضاري ) أما مفهوم التكامل المعرفي ( بين الحديث و الموروث ( فإنه في حقيقته يعد تنوع ثقافي لمصادر المعرفة من منطلق نشأتها المستمدة من مكونات النفس البشرية و تدافع وظائفها ..” الحسية و المعنوية و العضوية . ما يؤدي بالنتيجة إلى حقيقة علمية واحدة يمكن لها أن تكتشف خلل في فهم الموروث أو حقيقة نتيجة الحديث . كمنطلق علمي يستمد منه مفهوم الثقافة المتصالحة و مفهوم التمايز الحضاري امتداده المعرفي و تقدمه النهضوي .
فالاعتدال ثقافة معرفية وفكر وسط ..” يزن بين أهمية الموروث بجوانبه العاطفية و فاعلية الحديث بمقوماته المادية ( التي تمثل قطبي الصراع في النفس البشرية ) بين دوافع الروح و رغبات الجسد ..” التي لا تستقيم إلا بمداد معرفي يعزز من قدرة العقل ( ليكون حكم منصف و قائد معتدل يزن بين الدوافع و الرغبات ) إنه الفكر المستنير و نبع الثقافة الإنسانية المعتدلة ( فمن لا يعرف واقعه ولا يدرك أبعاد محيطه ومقومات وجوده وعوامل بقائه واستمراره ..” لم يعرف الشريعة ولم يدرك مقاصدها ) .

Leave a Reply